نذير حمدان

174

حكمة القرآن والحضارة

وقد تكون حالة محددة منه مادة اختبارية أيضا تعبر عن موقف الاستجابة والشكر أو العصيان والنكران مثل ما عاب اللّه على جحود كفار مكة وتنظيرهم بمن سبقهم من قصة أصحاب الجنة في مسألة الإنفاق إِنَّا بَلَوْناهُمْ كَما بَلَوْنا أَصْحابَ الْجَنَّةِ ( القلم 17 ) ، وهي حال تعددت فيها المواقف والنظرات من إنفاق وإيمان إلى إمساك وجحود ، وتوقع المحصول الزراعي الوفير في وقت السلم والموادعة ، وعلى العكس منه امتحان بالصبر على العطش كابتلاء اللّه جيش طالوت ونهيهم عن الشرب من مياه الأردن حين بيّن إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ ( البقرة 249 ) في حالة ووقت عصيبين من حرارة الصحراء وظمئها وبلوى المحاربين لتتجلى بهما مصداقية النفوس واستجاباتها ونجاحها في الاختبار . إنه المحك الفاصل في ظهور نوازع الخير أو الشر والعصيان في مواجهة الترغيب والترهيب . وفي كلتا الحالتين الكلية والمحددة يذكرنا بتدبير اللّه وتقديره وأن الإنسان لم يخلق عبثا ولا لعبا ، وأنه لا ينبغي معه أن يمضي الإنسان في استهتاره غير واع ولا مدرك أنه مخلوق ليبتلى ، وموهوب نعمة الإدراك لينجح في الابتلاء ، وهو لذلك مزود بوسائل المعرفة الذاتية ، وبالقدرة على اختيار الطريق ، فقد بيّن له الطريق الواصل ثم تركه ليختاره . . . المصطلحات والمجالات : وأشهرها : - الفتنة أو الافتتان ومعناه الاختبار ، وهو واحد من أحد عشر وجها متشابهة ومختلفة ذكرها صاحب ( التصاريف ) وإن كان بعضها يدخل في معنى الاختبار دخولا ظاهرا أو خفيا ، وإن كثرة وروده في القرآن من خلال معانيه دليل على تغلغل المادة في مسارب متشعبة من الحياة . كما يطلق القرآن الفتنة على ما هو سبب لها مثل الأموال والأولاد والمصائب والأنفس ( الأنفال 28 ) و ( 24 ، 63 ) و ( 10 ، 85 ) ومن ذلك الشيطان الذي يسمى بالفتّان فلا ينبغي للمسلمين أن يفتتنوا به ( الأعراف 27 ) ، ومن ابتكارات القرآن المعنوية نقل ( الفتنة ) من شيء مادي خاص وهو : تمييز جيد المعدنين من الرديء ، إلى الابتلاء والاختبار المعنوي المقصود ومظاهره الحسية ، ومنذ القدم كان هاروت وماروت يقدّمان في تعليمهما التوجيه السديد بقولهما إِنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ ( البقرة 102 ) إلى المفتونين من الأنبياء مثل داود وسليمان وأيوب ( ص 21 - 44 ) ثم إلى الحضّ على الهجرة إلى المدينة